أحمد بن محمد المقري التلمساني
285
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وقيل : إن فل « 1 » الإفرنج هربوا إلى قلعة رباح ، فتحصنوا بها ، فحاصرها السلطان يعقوب حتى أخذها ، وكانت قبل للمسلمين ، فأخذها العدو ، فردت في هذه المرة ، ثم حاصر طليطلة ، وقاتلها أشد قتال ، وقطع أشجارها ، وشنّ الغارات على أرجائها ، وأخذ من أعمالها حصونا ، وقتل رجالها ، وسبى حريمها ، وخرب منازلها ، وهدم أسوارها ، وترك الإفرنج في أسوأ حال ، ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة ، ثم رجع إلى إشبيلية ، وأقام إلى سنة 593 ، فعاد إلى بلاد الفرنج ، وفعل فيها الأفاعيل ، فلم يقدر العدو على لقائه ، وضاقت على الإفرنج الأرض بما رحبت ، فطلبوا الصلح ، فأجابهم إليه ، لما بلغه من ثورة الميرقي عليه بإفريقية مع قراقوش مملوك بني أيوب سلاطين مصر والشام . ثم توفي السلطان يعقوب سنة 595 . وما يقال « إنه ساح في الأرض ، وتخلى عن الملك ، ووصل إلى الشام ، ودفن بالبقاع » لا أصل له ، وإن حكى ابن خلكان بعضه . وممن صرح ببطلان هذا القول الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم ، وقال : إن ذلك في هذيان العامة ، لولوعهم بالسلطان المذكور . [ ملك محمد الناصر بن يعقوب ] وولي بعده ولده محمد الناصر المشؤوم على المسلمين ، وعلى جزيرة الأندلس بالخصوص ، فإنه جمع جموعا اشتملت على ستمائة ألف مقاتل فيما حكاه صاحب « الذخيرة السنية ، في تاريخ الدولة المرينية » « 2 » ودخله الإعجاب بكثرة من معه من الجيوش ، فصافّ الإفرنج ، فكانت عليه وعلى المسلمين وقعة العقاب المشهورة التي خلا بسببها أكثر المغرب ، واستولى الإفرنج على أكثر الأندلس بعدها ، ولم ينج من الستمائة ألف مقاتل غير عدد يسير جدا لم يبلغ الألف فيما قيل ، وهذه الوقعة هي الطامة على الأندلس ، بل والمغرب جميعا ، وما ذاك إلا لسوء التدبير ، فإن رجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج استخفّ بهم الناصر ووزيره ، فشنق « 3 » بعضهم ، ففسدت النيات ، فكان ذلك من بخت الإفرنج « 4 » ، واللّه غالب على أمره ، وكانت وقعة العقاب هذه المشؤومة سنة 609 ، ولم تقم بعدها للمسلمين قائمة تحمد . [ المستنصر بن الناصر ] ولما مات الناصر سنة عشرين وستمائة ولي بعده ابنه يوسف المستنصر ، وكان مولعا بالراحة ، فضعفت الدولة في أيامه ، وتوفي سنة 620 .
--> ( 1 ) فل القوم : بقاياهم بعد هزيمتهم . ( 2 ) انظر الذخيرة السنية ص 41 . ( 3 ) في ه « وشنق بعضهم » . ( 4 ) من بختهم : من حظهم .